ابن بسام

44

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

جماعة من ولد الخلفاء كهول وشبّان ، ما فيهم إلّا مضطلع للأمر قويّ عليه . فتخطّى جماعتهم إلى ابنه هشام وهو في الوقت طفل ما بلغ الحلم . قال ابن بسام [ 1 ] : وحدّثت عن أحمد بن زياد عن محمد بن وضّاح عن رجل يتكلّم في الحدثان أنّه قال : لا يزال ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الآباء ، فإذا انتقل إلى الإخوة وتوارثوه بينهم فقد أدبر وانصرف . فلعلّ الحكم بهذا الخبر توهّم ، فجاذبه عن إخوته ؛ وإن كان ذوو اللبّ والنظر ، لا يلتفتون إلى مثل هذا الخبر . / رجع الخبر إلى ابن حيّان [ 2 ] : وكان جوذر وفائق فتيا الحكم قد أخفيا موته ، ودبّرا على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة ، وكان قال له فائق : إنّ هذا لا يتمّ لنا إلّا بقتل جعفر المصحفي . فقال له جوذر : ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ دولة مولانا ؟ ! قال له : هو واللّه ما أقول لك . ثم بعثا إلى المصحفيّ ونعيا إليه الحكم ، وعرّفاه برأيهما في المغيرة ، فقال لهما المصحفي : وهل أنا إلّا تبع لكما وأنتما صاحبا القصر ومدبّرا الأمر ، ولكما الرأي فيما قلتماه ؛ فأخذا في تدبير ما رأياه . وخرج المصحفيّ وجمع حاشيته وجنده ، ونعى إليهم الحكم وعرّفهم مذهب جوذر وفائق في المغيرة ، وقال : إن بقينا على ابن مولانا كانت الدولة لنا ، وإن بدّلنا استبدل بنا . فقالوا : الرأي رأيك . فبادر المصحفيّ ببعثه محمد بن [ أبي ] عامر مع طائفة من الجند وقته إلى دار المغيرة لقتله . قال ابن أبي عامر : فألفيت المغيرة مطمئنا لا خبر عنده ، فنعيت إليه أخاه الحكم فجزع ، وعرّفته جلوس ابنه هشام في الخلافة . فقال : أنا سامع مطيع . فكتبت إلى جعفر بحاله وبالصورة التي ألفيته عليها من السلامة . فراجعني جعفر المصحفيّ وهو يقول : غررتنا ، اقض عليه وإلّا وجّهت غيرك من يقتله ! فقتل رحمه اللّه خنقا . وكانت علة الحكم الفالج ، وكان تقدّمه عبد العزيز أخوه بمديدة ، وتعطّل أخوه الأصبغ ببطالة أزالت عنه الرّهبة . فذهبت عن جعفر بن عثمان فيهما الحزّة [ 3 ] ، وتوفّر اهتمامه بعدهما بالمغيرة . وكان فتى القوم كرما ورجلة ، وممن أشير نحوه بالأمر بأسباب باطنة ، فأخذ له أهبته ؛ فلما قضى الحكم نحبه ليلة / الأحد الثالثة من صفر سنة ست وستين ، بادر بالمغيرة على الصّفة المذكورة . وافتتح المصحفيّ أمره بعد بإيثار النّصفة ، واطّراح الكبر . وكان أول ما أتاه من

--> [ 1 ] انظر المصدر السابق 3 : 86 . [ 2 ] قارن بما أورده ابن عذاري 2 : 260 وما بعدها ، وما جاء في النفح . [ 3 ] لعل الصواب : الجرة ، إشارة إلى الغيظ على سبيل المجاز .